ابن عربي

54

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

[ بكاؤه لطلب التنزه في فسحات مقام المشاهدة ] ونوحك يا أيّهذا الحمام * يثير المشوق يهيج الغيورا يقول : وأنت إذا كنت في عالم التقديس والرضى والمشاهدة وأنت بهذه المثابة من البكاء على فقد هذا المحل الطبيعي الكثيف الظلماني ، فنحن أعظم بكاء منك طلبا للتنزه في الفسحات العلى ، وهو قوله : يثير المشوق يهيج الغيورا ، والغيرة من رؤية الأغيار ، وإلا من عاين الحق في كل شيء لا غيرة عنده ، فإنه ما رأى في كل شيء إلّا وجهه والحق واحد ، ولكن للحق تنوع في صور التجليات على حسب ما تعطيه المقامات والأحوال ، فمن هنا يظهر لسان الغيرة في جناب الحق ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ سعدا لغيور ، وإني أغير منه ، واللّه أغير مني ، ومن غيرته حرم الفواحش » « 1 » وهنا نكت وأسرار إلهية غاب عنها أكثر العارفين ، فلا يمكننا كشفها لإخواننا إلّا مشافهة . يذيب الفؤاد يذود الرّقاد * يضاعف أشواقنا والزّفيرا يقول : دع واردات التقديس والرضى التي ذكرناها ، تذيب الفؤاد ترده سيالا وتمنع الرقاد فصاحبها يألف السهر ، وقوله : يضاعف أشواقنا والزفير زيادة الأشواق إنما تقع من مشاهدة زيادات الحسن في المشهود في نظر العين عند الشهود ، والزفير صوت النار ، يقول عن غلبة الاصطلام الوارد على القلوب أنها متضاعفة . يحوم الحمام لنوح الحمام * فيسأل منه البقاء يسيرا « 2 » يقول : يحوم الحمام الذي هو مقام انفصال اللطيفة الإنسانية عن تدبير هذا الهيكل الظلماني من أجل ما أسمعته واردات التقديس والرضى والمشاهدة من اللطائف الإلهية والعلوم الربانية ، وقوله : فيسأل منه البقاء يسيرا ، يريد قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الأخوين اللذين مات أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة ، فذكر فضل الأول منهما عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام في حق الثاني : « وما يدريكم ما بلغت به صلاته ، واستحباب طول العمر في الإسلام مشروع » « 3 » وحديث الستة الشيوخ الذين قدّموا للموت ، فكل واحد منهم آثر صاحبه بحياة ساعة ليذكر اللّه فيها فيرقى مقاما لم يكن عنده ، وهذا الباب فيه إشكال عظيم يحتاج إلى تفاصيل ، فلهذا قال : فليسأل منه البقاء يسيرا ، ثم قال بعد ذلك ما يدل على ما ذكرناه ، وهو قوله :

--> ( 1 ) أخرجه العراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 164 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 24 ) . ( 2 ) الحمام : قضاء الموت وقدره . الحمام : جنس طير من الفصيلة الحمامية ورتبة الحماميات فيه أنواع كاليمام والورشان والحمام الأزرق . ( 3 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 1 / 200 ) ، وابن خزيمة في ( الصحيح 310 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 295 ، 3 / 354 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 19022 ) ، والألباني في ( إرواء الغليل 1 / 48 ) .